الصفحة الأساسية > آباء الكمبيوتر > وادي السيليكون من الواحة الى الهلكون > الجزء الأول - أصل البلاء

الجزء الأول - أصل البلاء

بقلم جورج قندلفت

١- من حمى الذهب الى جامعة ستانفورد (١٨٤٨ - ١٨٨٩)

يبدأ تاريخ وادي السيليكون بإبادة عشيرة الألون. كان حوالي ٣٠٠ ألف أميركي أصلي يتعايشون بصعوبة كبيرة مع المستعمر الإسباني. فقد مات نصفهم من الأمراض المستوردة خلال فترة الاستعمار الممتدة بين ١٧٦٩ و١٨٤٦. عندما انتزعت الولايات المتحدة المنطقة من المكسيك، اكتشف المستعمرون الأوائل أرضاً غنية بمثابة جنة من التنوع البيئي. كان شمال كاليفورنيا مناسباً لزراعة الفاكهة والحبوب لكن اليد العاملة كانت شحيحة للغاية خاصة ان الطريق الذي يمر من الجبال الصخرية (Rocky Mountains) كانت غاية في الصعوبة مما اضطر المسافرين الى سلوك الطريق البحرية التي تدور حول القارة الأميركية للوصول الى كاليفورنيا. لذلك لم يستسيغ المستعمرون العمل الشاق في الأرض فاستعبدوا السكان الأصليين وسخروهم في الزراعة.

وادي السيليكون في القرن التاسع عشر
وما تبقى من البساتين في ١٩٦٠
(صور من تاريخ سان خوسيه Home - History San Jose)

الا ان القبائل الأميركية الأصلية قاومت هذا المشروع الاستعماري بنجاح بفضل تأقلمها مع البيئة وتوفير حاجاتها من الصيد والقطاف. ولكن حمى الذهب التي ظهرت في ١٨٤٩ أدت الى هلاك تلك القبائل اذ ازدادت أعداد المستعمرين القادمين من البحر والعازمين على طرد الأميركيين الأصليين من أرضهم للتنقيب عن الذهب. فقد وصف المؤرخ بنيامين مادلي الإبادة الكليفورنية بأنها مذبحة ذاتية اذ انها انطلقت من القاعدة حيث قام المستعمرون بتنظيم أنفسهم ضمن ميليشيات مدعومة ن الدولة الفيديرالية لتنفيذ إبادة السكان الأصليين. وفي ظرف ٢٠ سنة تم قتل ٨٠ ٪ منهم مما يجعل منه أسرع تطهير عرقي في تاريخ استعمار الرجل الأبيض [1]. هكذا تم استبدال ثقافية غنية ومعقدة تشمل عشرات اللغات والإثنيات وطرق العيش بحقول مكشوفة لاستخراج الذهب يستغلها مستعمرون همجيون لا يحلمون الا بالمعدن الأصفر.

في هذه الفترة جاء أبو وادي السيليكون الى كاليفورنيا من نيو يورك. كان ليلند ستانفورد، الشقيق الأصغر لعائلة من أربعة أولاد، يوصف بأنه غير ملحوظ والأقل ذكاءً من بين إخوته. بعد انتهاء تعليمه بصعوبة في مدارس متدنية المستوى إنتقل الى ولاية ويسكونسين ليعمل في مهنة المحاماة ولكنه لم ينجح. فقرر الالتحاق بإخوته في سان فرانسيسكو ليدير فرعاً من محلات المعدات. وتخصص فرعه ببيع الرفوش ومعدات التنقيب ليحرز نجاحاً كبيراً من جراء حمى الذهب. أدى هذا النجاح الى اشتهار ستانفورد مما حمسه على دخول المعترك السياسي ضمن الحزب الجمهوري الذي كان يتزعمه أبراهام لينكولن. وبما ان كل المناصب في الولاية كان يحتلها أعضاء من الحزب الديموقراطي المؤيد للعبودية، إرتقى ستانفورد بسهولة المراكز في المعارضة لدرجة انه حين وضعت الحرب الأهلية أوزارها بانتصار الحزب الجمهوري وجد نفسه مرشحاً طبيعياً لمنصب حاكم الولاية كونه الأعلى «رتبة» في فرع الحزب الكاليفورني.

استخدم ستانفورد مركزه كحاكم للحصول، هو وشركائه، على امتياز لبناء أول سكة حديدية تربط كاليفورنيا بشرق البلاد. وكونه من المساهمين الأساسيين في شركة باسيفيك ريلويز (Pacific Railways)، جمع ستانفورد ثروة كبيرة من جراء نهب أراضي السكان الأصليين لزيادة قيمة سكة الحديد واستغلال العمال الصينيين برواتب بخسة في بناء هذه السكة. وأصبح التكتل الذي أنشاءه والذي شبهته صحافة تلك الأيام بالأخطبوط، يتمتع باحتكار يدر الأرباح الطائلة.

بسبب تصرفاته أضحى ستانفورد غير مرغوب فيه في سان فرانسيسكو حيث دأب الناس على التظاهر أمام منزله مما دفعه الى توظيف ثروته في مشروعين كبيرين. أتته فكرة المشروع الأول من ولعه المفاجئ بتربية الخيل الأصيل، فاقتنى أرضاً شاسعة تبعد حوالي عشرة كيلومترات عن سان فرانسيسكو أطلق عليها اسم بالو آلتو (Palo Alto) على اسم شجرة كانت فيها أسس عليها مزرعة بالو آلتو للماشية (Palo Alto Stock Farm) حيث سيعتمد طريقة للانتقاء الوراثي في تربية فحول الخيل غير معهودة في ذلك الزمان. وتقضي هذه الطريقة بتدريب الأمهار من صغرها على الهرولة على عكس الفكرة السائدة بأنها صغيرة جداً لهذا النوع من التدريب. وفي نهاية القرن التاسع عشر أصبحت مكننة الزراعة تتطلب أعداد متزايدة من الخيول التي يمكن اعتبارها محروقات اقتصاد ذلك الزمان مما حتّم تحسين أدائها وبالتالي رفع أسعارها. جمع ستانفورد أرباحاً طائلة من هذا النشاط رغم تكبيد صغار الخيل عذابات رهيبة ونفاق بعضها من صعوبة العمل.

اما المشروع الثاني فولد من الوفاة المبكرة لابن ستانفورد الوحيد بسبب مرض ألمّ به خلال سفره الى أوروبا سنة ١٨٨٤. هذا الحادث دفع بستانفورد الى تحقيق أهم عمل في حياته. فقرر الأب المفجوع هو وزوجته إنشاء متحف وجامعة ينافس بها أكبر المؤسسات الأكاديمية في شرق البلاد. وتم البناء على أرض مزرعة بالو آلتو وأخذت الجامعة اسم الإبن: «جامعة ليلاند ستانفورد الإبن» (Leland Stanford Junior University).

وأخذت هذه الجامعة توظف أفضل الأساتذة والباحثين في البلاد بفضل رواتب مرتفعة ووعود بالاستقلالية في العمل. وتم التشديد مبكراً على علم لم يكن معتمداً بشكل واسع في الجامعات الأميركية في الشرق: العلوم الفيزيائية والهندسة خاصة في مجالات استخراج المعادن وعلم السوائل (hydrolics). وبفضل مساحتها الشاسعة تفوقت هذه الجامعة على أترابها بتزويدها بكل المختبرات والبنى التحتية اللازمة لتوفير الدراسة والأبحاث.

٢- من تحسين النسل الى الإلكترونيات (١٨٨٩ - ١٩٤٥)

لم يعمّر ستانفورد كثيراً ليرى مدى نجاح مشروعه. بعد وفاته، تكفلت زوجته بإدارة الجامعة لفترة قبل ان تموت مسمومة، ويعتقد ان المشتبه فيه هو رئيس الجامعة الذي وظفه ستانفورد، دايفد ستار جوردان. أتاح له موت زوجة ستانفورد تنفيذ مشروعه وهو تحجيم المتحف والمساحات المخصصة للفنون والآداب وزيادة نشاط إنتاج النخبة ومراكز الأبحاث. وكان جوردان من المتحمسين لعلم تحسين النسل (eugenics) فوظف أكاديميين متخصصين في هذا العلم في مراكز أساسية في الجامعة ومنهم لويس تيرمان. فرض هذا الفريق على الجامعة اعتماد أساليب تربوية تخلط بين العنصرية والعلموية الزائفة. وتم اختبار الطلاب بأساليب غير معهودة حيث الروابط العائلية وحجم الجسم ونتائج أول اختبارات حاصل ذكاء ستانفورد بينيت، وهو أداة لقياس الذكاء وضعتها الجامعة، كمعايير للقبول. ومن المواضيع التي تشملها هذه الاختبارات التي واجهت الكثير من الانتقادات، أسئلة ثقافة عامة تتعلق بالرياضة المهنية. وأتاحت هذه الاختبارات انتقاء طلاب ينتمون الى الطبقات الاجتماعية التي يحبذها جوردان.

وكان علم تحسين النسل الذي تعتمده الجامعة يعتبر ان الفقر كما النجاح يأتيان بالفطرة اي من الولادة. وحسب جوردان فإن بعض الأعراق والسلالات النسلية مؤهلة أكثر من غيرها لإنتاج الكوادر المستقبلية التي ستفيد البلاد. لذلك يجب تشجيع الزواج بين أشخاص يتمتعون بصفات معينة بينما يكون من الضروري عرقلة تناسل الأشخاص الذين لا يظهرون اي مؤهلات ملحوظة. وباستخدام اختبارات حاصل الذكاء التي وضعتها جامعة ستانفورد والدفع لانتشار الأطروحات النخبوية نفذت عدة ولايات أميركية حملات تعقيم قسري لبعض مجموعات من السكان. ويقدر عدد النساء اللاتي وقعن ضحية هذه الممارسات بحوالي ٦٠ ألفاً منهن الثلث في ولاية كاليفورنيا وحدها. ولم توفر هذه الحملات الجنود الأميركيين خلال الحرب العالمية الأولى والذين خضعوا لاختبارات ستانفورد لتحديد من منهم سيتم إرساله الى الخطوط الأمامية.

في بالو آلتو أدى هوس إنتاج النخبة المستوحى من تربية الخيل الى تبعات مختلفة. فقد نسج روابط وثيقة بين طلاب الجامعة القدامى الذين يقدمون خدمات متعددة للجامعة مقابل مساعدة الأساتذة طلابهم في تثبيت مستقبلهم. بفضل شبكة العلاقات التي نسجتها تمكنت ستانفورد من توفير العديد من رؤساء الشركات والموظفين الكبار لعل أبرزهم الرئيس هيربرت هوفر الذي سيلعب دوراً مهماً في تقوية الجامعة وانتشار إشعاعها وتنمية المنطقة إقتصادياً بفضل مساره الطويل في عالم الشركات والسياسة.

ورغم سقوط هوفر من جراء الأزمة الاقتصادية سنة ١٩٢٩، الا ان ورثته «الهوفريين» ظلوا يتبوؤن المناصب المهمة ويؤثرون في الحياة السياسية من خلال مؤسسة هوفر وهي مركز أبحاث يأخذ من ستانفورد مقراً له ويروج لحرية السوق وخفض مساهمة الدولة في الاقتصاد على عكس الممارسة الكينيزية التي كان يتبعها الرئيس روزفيلت. وبمساعدة مؤسسة هوفر تابعت كاليفورنيا في اجتذاب الصناعيين والباحثين كما تابعت جامعة ستانفورد في نسج الروابط مع شبكات السلطة في الساحل الشرقي. وتمحور قطاع التكنولوجيا المتطورة حول الجامعة، بما سيعرف لاحقاً بوادي السيليكون، الى جانب صناعات الفاكهة والتنقيب. إضافة الى ذلك بدأ المهندسون الذين تخرجوا من ستانفورد بالانتشار في أنحاء العالم ويديرون مشاريع إنشاءات هيدروليكية في المستعمرات الغربية ويساهمون في ظهور صناعة الاتصالات.

أول محطة راديو في سان خوسيه - ١٩٠٩
(Home - San Jose Rocks)

في أوائل القرن العشرين بدأ عدد من المهندسين والعلماء باختبار أدوات لتضخيم الموجات الصوتية قبل النجاح في إرسال الإشارات وتلقيها. وبدأت أول إذاعة راديو تبث البرامج سنة ١٩٠٩ من مدينة سان خوسيه. عندها قام سيريل إلويل، وهو متخرج من ستانفورد، بشراء براءة اختراع جهاز إرسال من الدانماركي بولسن وأسس شركة التلغراف الفدرالية (Federal Telegrah Corporation) ووظف المهندس لي دي فريست مخترع الصمام أو الأنبوب المفرغ الذي يتيح تضخيم الإشارات الإلكترونية وإرسالها وتلقيها. ولعب هذا الأنبوب الذي يعتبر جدّ أشباه الموصلات دوراً حاسماً في تطور صناعة الإلكترونيات. وبدأت الشركة بتسويق نظام الإرسال وثبتت أقدامها بتوقيع عقد مهم مع البحرية الأميركية سنة ١٩١٣.

أسست هذه الشركة الناشئة لنموذج تنمية سيتم استنساخه من قبل العديد من الشركات الكاليفورنية: تسجيل براءة اختراع لابتكار جديد تم تطويره بمساعدة الأبحاث الجامعية ثم توقيع عقود شهية مع الجيش او المؤسسات الحكومية بفضل شبكة علاقات جامعة ستانفورد وبذلك تأمين التمويل لتوسيع الشركة. وبفضل موقعها على المحيط الهادي وطقسها المعتدل ومراكز أبحاثها أضحت ولاية كاليفورنيا وجهة أساسية للقواعد والبنى التحتية العسكرية خاصة البحرية والطيران. ومع التطور الإلكتروني أصبحت بالو آلتو مركزاً للعديد من العقود العسكرية والاستثمارات الحكومية. ومن الاختراعات الملحوظة في تلك الفترة أنبوب كليسترون لطالبين في ستانفورد هما الأخوين فاريان والذي سيستخدمه الجيش الأميركي كأول جهاز تشويش إلكتروني خلال الحرب العالمية الثانية.

قاعدة موفيت فيلد العسكرية المنشأة سنة ١٩٣١ في ماونتن فيو لعبت دوراً حاسماً في ولادة الصناعات الإلكترونية في كاليفورنيا
(NASA ARC Historic Preservation Office Home Page)

سنة ١٩٢٥ جاء فريديريك تيرمان، إبن لويس تيرمان، الى كلية الهندسة في ستانفورد [2] حيث لعب دوراً مهماً في استيطان الشركات في حرم الجامعة. بعد مساعدته للأخوين فاريان، دعم مشروع إنتاج مذبذب إلكتروني لمهندسين شابين من الطلاب السابقين في الجامعة هما ويليام هيولت وديفيد باكارد ما دفعهما الى تأسيس شركة هيولت-باكارد [3] سنة ١٩٤٩ في مرأب لهم في بالو آلتو. وقامت هذه الشركة التي تخصصت في إنتاج أجهزة القياس، بترسيخ نموذج الشركات الناشئة وأسطورة رجل الأعمال الريادي. أما ديفيد باكارد الذي كان معروفاً برجعيته وعنصريته، فقد كان له تأثير سياسي ملحوظ من خلال تبوقه مناصب مرتفعة في إدارات نيكسون وريغان او دعمه الكبير لمؤسسة هوفر. ولكن الثورة الرقمية التي ستعطي اسمها لوادي سانتا كلارا سوف تأتي من شخص آخر واختراع آخر مرتبط أيضاً بجامعة ستانفورد.

٣- من أشباه الموصلات الى جهاز ماكنتوش، بدايات الثورة المعلوماتية (١٩٥١ - ١٩٧٥)

تنقسم معظم المواد الكهربائية الى نوعين: الموصلات والعوازل. هناك استثناءات، فالفراغ الذي يفصل بين القطبين الموجب والسالب في الأنابيب المفرغة لا يعتبر موصلاً ولا عازلاً (فالفراغ هو لا شيء) لذلك يمكن للإلكترونات ان تعبره «بالقفز» بين القطبين في ظروف محددة. على عكس ذلك فأشباه الموصلات هي في الوقت نفسه موصلة وعازلة وفي الحالتين، تتيح هذه الخصائص تضخيم تدفق التيار (تشغيل\إيقاف او واحد\صفر) وخاصة التحكم به وهي خاصية أساسية للوظائف المنطقية التي تشكل قاعدة الدارات الإلكترونية.

خلال النصف الأول من القرن العشرين، قامت الأنابيب المفرغة (او الصمامات) بلعب هذا الدور بالرغم من عيوبها الكثيرة اذ أنها تحترق بسهولة وتبعث حرارة مرتفعة. فكانت الكمبيوترات الأوائل تحتل غرف كاملة وتجتذب الحشرات (bugs) التي كانت أول سبب للأعطال من جراء دخولها الى مكونات الآلة والتي أعطت اسمها للأخطاء التي تظهر في البرمجيات حتى يومنا هذا. وكان العاملون مضطرون الى التنقل المستمر في الردهات لاستبدال الصمامات وتنطيف الدارات.

لكن كل شيء سيتغير سنة ١٩٥١ عندما صمم ثلاثة باحثين يعملون في مختبرات بل (Bell Labs)، وهي شركة أبحاث وتطوير من الساحل الشرقي تملكها الشركة الوطنية للاتصالات ايه.تي اند تي. (AT&T)، أول ترانزستور. من الخارج يبدو الترانزستور كمكون إلكتروني مؤلف من ثلاثة مقابس إلكترونية تم لحمها بقطعة سيليكون. ولدى إخضاعه الى عمليات فيزيائية - كيميائية مختلفة، تصبح هذه المادة الخام شبه موصل. ويؤدي الترانزستور الدور نفسه الذي تلعبه الأنابيب المفرغة ولكن دون العيوب التي تعتري هذه الأخيرة. وهو في الأساس أخف وزناً بمقار عشرة الى عشرين مرة ولا يتآكل مع الوقت.

يعود هذا الاختراع الى فيزيائيين إثنين هما جون باردين ووالتر براتين مع ان المسؤول عنهما ويليام شوكلي كان قد ساهم في المشروع. وحصل الفريق على جائزة نوبل للفيزياء سنة ١٩٥٦ وبينما تابع باردين وبراتين التعليم والعمل في الأبحاث التطبيقية طوال حياتهما [4]، اعتمد شوكلي على شهرة الجائزة لتأسيس شركة درت عليه أرباحاً طائلة. نشأ شوكلي العنصري وداعية تحسين النسل، في بالو آلتو ونسج علاقات قوية بجامعة ستانفورد حيث تخرجت والدته. واستلهمته مسيرة ديفيد باكارد فأسس شركته الناشئة شوكلي سيميكوندكترز (Shockley Semiconductors) واستجلب الرساميل ووظف أفضل المهندسين والدكاترة الفيزيائيين ومنهم العديد من خريجي ستانفورد. وكان ينوي تصنيع الترانزستورات وبيعها للجيش الأميركي ولكن سلوكه أدى الى ما عرف بقضية الخونة الثمانية الذين أسسوا شركة جديدة بتمويل من شركة فيرتشايلد كاميراز.

بعد تملك شيرمان فيرتشايلد الشركة الجديدة، خرج منها بعض من الثمانية ومنهم روبرت نويس وغورون مور اللذين أسسا شركة انتغريتد إلكترونيكس التي عرفت اختصاراً باسم «إنتل». واخترعت هذه الشركة أول مكونات تخزين الذاكرة الثابتة (SRAM) و(SROM) والتي ستحل مكان التخزين على الأشرطة المغناطيسية. ثم أتبعتها سنة ١٩٧١ بأول معالج صغير مما مهد ظهور الكمبيوتر الشخصي.

الصمام (الأنبوب) مقارنة بالترانزيستور المبكر (الى اليمين)
(Amplifier tubes and accessories for amplifiers and guitars)

في تلك الفترة كانت الحرب الباردة حامية الوطيس وتطلّب سباق التسلح وغزو الفضاء استخدام الكثير من الشرائح الإلكترونية لتوجيه الصواريخ وتشغيل الكمبيوترات الإيوانية لدى الجيش والوكالة الوطنية للفضاء. وتحولت الإمبريالية الأميركية الى حملة ضخمة من القصف المدفعي والصاروخي من كوريا الى فيتنام واستهلكت كميات مهولة من الإلكترونيات. وشهد وادي سانتا كلارا اجتياحاً لجحافل من المهندسين والكوادر الشابة التي تعمل مباشرة او غير مباشرة في الصناعات الحربية. وصحب هذا القدوم دخول الرساميل حول ستانفورد مما ضاعف من اجتذاب العقول المدربة في نوع من الحلقة المثمرة.

وبدأت الشركات الجديدة بابتكار نماذج صناعية جديدة مما خفض من تكاليف الإنتاج. وبلغت كلفة إنتاج ترانزيستور فيرتشايلد تقريباً ١٣ سنتاً منها ثلاثة للمواد الأولية وعشرة للتجميع وبيعت للحكومة بسعر دولار ونصف للترانزيستور مما ولد أرباحاً طائلة. ولزيادة الأرباح بخفض كلفة الإنتاج قامت شركة فيرتشايلد بنقل جزء من إنتاجها الى هونغ كونغ حيث اليد العاملة رخيصة. وسوف يؤدي تصغير المكونات الإلكترونية وانخفاض الأسعار الى ولادة المعلوماتية الشخصية.

واقتنع احد المليونيريين الشباب (٣١ عاماً)، أرماس كليفورد «مايك» ماركيولا والذي مرْ بشركتي فيرتشايلد وإنتل، أنه يشهد بزوخ ثورة حقيقية في مجال الإلكترونيات. وبعد بيعه أسهمه وأخذ القرار بالتقاعد سمع بشابين من الهيبيين اللذين يعملا على نموذج ميكرو كمبيوتر في مرأب لهما في بالو آلتو. عرض عليه ستيف جوبز وستيف وزنياك الاستثمار في شركتهما المستحدثة أبل كمبيوتر. فاقتنع ماركيولا ودعم الشركة بـ٣٠٠ ألف دولار ووضع خطة عمل الميكرو كمبيوتر وفتح لهما خط اعتماد في بنك أميركا واتصل بالمستثمر أرثر روك الذي أدخله في شبكته المالية واقتنى حصة في الشركة الناشئة. وفجأة وجدت أبل نفسها غارقة في السيولة فأطلقت جهاز أبل ٢ بنجاح كبير وهو من أوائل الكمبيوترات الشخصية الموجهة للجمهور العريض. فأصبح جوبز وزنياك مليونيريين في سن الثلاثين.

جهاز أبل ٢ وهب شركة أبل ٤٠ ٪ من سوق الكمبيوترات الشخصية في أوائل الثمانينات
(ستيف وزنياك: التقني القابع وراء نجاح أپل)

ويليام شوكلي، المنتج الصافي من ستانفورد، أدخل صناعة شبه الموصلات الى بالو آلتو على ان نمو هذه الصناعة عائد بمجمله الى استثمارات السلطات الحكومية في مجال الدفاع وغزو الفضاء. ومع ان تاريخ شركة فيرتشايلد سيميكوندكتر أتاحت أيضاً إطلاق سلسلة الفعل ورد الفعل التي أعطت لخليج سان فرانسيسكو كنية وادي السيليكون، يجب التمييز بين ما هو واقع و ما هو خيال ويعتمد على تأثير البنية الاقتصادية والاجتماعية والمكونات التاريخية الأخرى.


[1يبدو ان الرجل الأبيض عازم على كسر هذا الرقم القياسي اذ انه قتل ٢٠ ٪ من أهل غزة في ظرف سنتين

[2أصبح عميد هذه الكلية سنة ١٩٤٤

[3التي تعرف حالياً بـHP

[4نال باردين جائزة نوبل للمرة الثانية سنة ١٩٧٢ لعمله النظري حول الموصلات الفائقة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.